سلسلة نوادر جُحا
(37)
*قصص جُحا ومكره :
ذات يوم من أيام الشتاء الباردة، جلس (جُحا) في قصر الملك، وقال الملك لجُحا:
_ هل يمكنك الجلوس خارج القصر في العراء، في ليلة شتوية باردة وصدرك عاريًا؟
رد (جُحا) بأقصى قدر من الشجاعة والتحدي:
_ نعم أستطيع يامولاي، ولك أن تحدد الليلة التي تريدني أن أقضيها بالعراءعاري الصدر.
فتفاجىء الملك وقال ل (جُحا):
_ إذا فعلت ذلك، فستحصل في المقابل على مكافأة كبيرة بالدينار الذهبي.
وأختار الملك ليلة شتاء باردة جدا ، وأمر حراسه بالصعود مع (جُحا) إلى قمة الجبل، وتجريده من الملابس، والبقاء بالقرب منه طوال الليل يراقبوه حتى لا يشعل النار. وطبعا فقد كان الحراس يلبسون ثيابهم الشتوية الثقيلة التي تحميهم من البرد القارس وصعدوا مع (جُحا) إلى أعلى الجبل، وجردوه من ملابسه وجلسوا بعيدًا عنه قليلًا، يراقبونه كما أمر الملك.
وفي صباح اليوم التالي، أخذ الحراس (جُحا) من أعلى الجبل إلى قصر الملك، وكان (جُحا) سليمًا تمامًا ولم يصبه أي شيء، ودهش الملك وسأله:
_ هل رأيت أي حريق مشتعل في أي مكان وأنت على قمة الجبل؟!
فرد جحا:
_نعم رأيت ضوء ضعيف لمصباح يومض بعيدا جدا من نافذة أحد بيوت القرية عند سفح الجبل.
رد الملك:
_إذا فأنت شعرت بالدفء على ضوء ذلك المصباح لذلك فقدت هديتي لك.
وهنا غضب (جُحا) ولكنه كتم غيظه ، ثم فكر في خدعة لاستعادة المكافأة التي وعد بها هذا الملك المخادع.
وبعد أسابيع قليلة، ذهب جحا إلى قصر الملك ودعاه هو والحاشية إلى الطعام، وأخبرهم أنه سيعد لهم طاولة لذيذة للغاية بين الزهور والأشجار، وكان الملك وحاشيته قد طلبوا بالفعل ذلك من ( جُحا)، وذهبوا جميعا إلى منزله، وكان (جُحا) قد خصص لهم بالفعل مكانًا خاصا بين الأشجار القديمة، وأخذ يقص عليهم النكات حتى ينتهي إعداد الوجبة. وفي هذه الأثناء شعر الملك بالجوع الشديد. بينما كان (جُحا) يغادر من حين لأخر ثم يعود مرة أخرى ، وعندما اشتد الجوع على الملك سأل جُحا :
_أين الطعام ! اشتد علينا الجوع يا جحا؟.
فأجاب (جُحا) أن الطعام لم ينضج بعد يامولاي، وإن هذا ليس ذنبه بل ذنب النار.
وهنا قام الملك من مجلسه وقال لحاشيته:
_دعونا نرى ما يحضره لنا جحا.
وبالفعل ذهبوا جميعًا ليروا ما يعده (جُحا) من الطعام، فوجدوا أن جحا وضع عدة أوعية من الطعام وعلقها على الشجرة وأشعل النار في الأرض، بحيث لا تصل النار إلى الأواني ولكن الدخان فقط. فلم شاهدوا ذلك غضب الملك وقال:
_ ما هذا أتسخر منا يا جحا؟!
فقال جحا:
_في تلك الليلة التي قضيتها على أعلى الجبل رأيت ضوء مصباح خافت قادم من بعيد جدا من إحدى نوافذ منازل القرية، وقررت يا مولاي أنني شعرت بالدفء من خلاله، ألن ينضج الطعام وليس بينه وبين النار سوى أمتار قليلة؟!
_ ضحك الملك على ذكاء (جُحا) وذهب غضبه، ثم أمر بإعطائه المكافأة التي وعده بها، ألف دينار ذهبية.
جلس (جُحا) يوماً على منصة الوعظ في أحد الجوامع وقال:
_ أيها المؤمنون، هل تعلمون ما سأقوله لكم؟
فأجابه السامعون:
_كلا، لا ندري.
قال:
_إذا كنتم لا تعلمون، فما الفائدة من التكلم، ثم نزل.
وعاد في اليوم التالي فألقى عليهم نفس السؤال، فأجابوه، هذه المرة:
_أجل إنا نعلم.
فقال:
_ ما دمتم تعلمون ما سأقوله فما الفائدة من الكلام؟
فحار الحاضرون في أمرهم واتفقوا فيما بينهم، على أن تكون الإجابة في المرة القادمة متناقضة، قسم يجيب: لا، وقسم يجيب: نعم، ولما أتاهم المرة الثالثة، وألقى عليهم سؤاله الأول، اختلفت أصواتهم بين لا ونعم فقال:
_ حسن جداً مَنْ يعلمُ يُعْلِمُ مَنْ لا يَعْلم.
....... تابع السلسلة عبر القصة التالية .......
بقلم الأديب والباشمهندس عامر عبدالباقي مصطفي علي.








0 comments:
إرسال تعليق